نشر موقع سايكولوجي توداي مقالًا للمعالج النفسي جارون فيسيلي، الحاصل على ماجستير الخدمة الاجتماعية، يسلط فيه الضوء على الدوافع الكامنة وراء أنماط سلوكية مثل الإفراط في العمل، والاعتماد على النفس، وكبت المشاعر، موضحًا أن فهم الوظيفة التي أدتها هذه الأنماط في حياتنا قد يكون أكثر فائدة من السعي الفوري إلى التخلص منها.

 


الأنماط التي ساعدتنا على الاستمرار


يستخدم فيسيلي في عمله العلاجي استعارة «الهندسة الداخلية». تخيل أنك تدخل منزلًا قديمًا اشتريته للتو، فتجد جدارًا يقسم إحدى الغرف بطريقة غير مريحة، أو إضافة خلفية تبدو كأن شخصًا بناها على عجل خلال عطلة نهاية أسبوع. وبينما تتفحص قواعد الجدران، تتساءل عما إذا كان الوقوف في المكان الذي تشغله آمنًا أصلًا. قد تكون غريزتك الأولى هي إصلاح ما يبدو خاطئًا، لكن من الحكمة أن تتعرف أولًا إلى ما يحمل المبنى ويمنحه تماسكه، قبل أن تبدأ في هدمه بمطرقة ثقيلة.


ويرى الكاتب أن العلاج النفسي يمكن أن يستفيد من النهج نفسه. فكثيرًا ما يدخل الناس إلى جلسات العلاج وهم يحملون قائمة بالأشياء التي يريدون التوقف عن فعلها: الإفراط في التفكير، والعمل أكثر من اللازم، والانغلاق عندما تصبح المشاعر طاغية، والحاجة إلى السيطرة، ووضع الآخرين قبل أنفسهم. وهذا مفهوم، لأننا نتعلم غالبًا أن هذه الأنماط أخطاء أو أعطال في النظام، كان ينبغي إصلاحها منذ زمن.


لكن ماذا لو لم تكن هذه الأنماط أعطالًا، بل تكيفات؟ ماذا لو كان الشيء الذي تريد التخلص منه يؤدي بالفعل وظيفة مهمة في دعمك؟


يقول فيسيلي إنه أمضى جزءًا كبيرًا من حياته معتقدًا أن دافعه للعمل مجرد جزء من شخصيته. فهو طموح، ويعمل بجد، ويحب خوض التحديات، وكل ذلك صحيح. لكنه عندما بدأ يتعامل مع هذا الدافع بقدر أكبر من الفضول، استطاع أن يرى البنية الكامنة وراءه.


كان يحب الأداء أمام الآخرين في طفولته، وكانت تلك العروض أيضًا من اللحظات التي يشعر فيها بأقوى قدر من اهتمام أسرته. كما كان يتفوق في المدرسة ويحظى بالثناء على ذلك. ولم يجلس أحد معه ليخبره بأن الإنجاز هو ثمن الحصول على الحب، ولا يعتقد أن أسرته قصدت إيصال هذه الرسالة. لكن الأطفال يجيدون ملاحظة الأنماط، ومن الأنماط التي تعلمها مبكرًا أن الأداء الجيد كان وسيلة موثوقة للشعور بأن الآخرين يرونه ويقدرونه. ومع مرور الوقت، أصبح هذا النمط جزءًا من «هندسته الداخلية».

 


لماذا لا ينبغي أن نتسرع في هدم ما بنيناه؟


تكمن الصعوبة في أن هذه البنى غالبًا ما تؤدي وظيفتها بنجاح، ولهذا تستمر.


قد يساعد الطموح على بناء المسيرة المهنية، واجتياز الدراسة، والتعامل مع عدم الاستقرار، وتجاوز فترات من الحياة تطلب منا أكثر مما كنا نظن أننا نستطيع تقديمه. وقد يحافظ الاعتماد على النفس على قدرتنا على الاستمرار عندما يخذلنا الآخرون. كما قد يساعدنا الابتعاد العاطفي على تجاوز تجارب تبدو في لحظتها أكبر من قدرتنا على التعامل معها. أما الإفراط في التفكير، فقد يمنحنا إحساسًا بالسيطرة عندما يبدو العالم أقل قابلية للتنبؤ مما نرغب.


ولا تنشأ هذه الأنماط لأننا معيبون أو محطمون. بل تنشأ غالبًا لأن جزءًا منا وجد طريقة للاستمرار.

 


الفضول قبل التصحيح


لهذا السبب، لا يهتم فيسيلي، بصفته معالجًا نفسيًا، بفرض ما ينبغي تغييره. فقد أمضى وقتًا كافيًا في محاولة تحفيز العملاء على التغيير ليدرك أن الناس لا يتحركون عادةً لأن شخصًا آخر قرر أن عليهم التحرك. بل يتحركون عندما يبدأ شيء ما في اكتساب معنى من داخلهم.


وتقع هذه الفكرة في صميم المقابلة التحفيزية، وهي نهج يستند إليه الكاتب لمساعدة الناس على استكشاف التغيير بفضول، بدلًا من محاولة إقناعهم بأنهم مخطئون.


ويجد فيسيلي أن هذا الموقف مفيد للغاية، حتى خارج إطار أي نموذج علاجي بعينه. فالفضول يخلق مساحة. ويتيح لنا أن نسأل عما قدمه لنا أحد الأنماط قبل أن نسأل عن تكلفته. كما يتيح لنا التفكير فيما إذا كان التغيير يعني بالضرورة الهدم.


فإذا كان الاعتماد على النفس قد حماك لسنوات، فلا حاجة إلى انتزاعه من يديك. وإذا كان الإنجاز قد ساعدك على بناء حياة تقدرها، فلا جائزة تنتظرك لأن تصبح أقل طموحًا. وإذا كان الانغلاق العاطفي قد ساعدك على تجاوز تجربة صعبة، فإنه يستحق قدرًا من الاحترام أكبر من مجرد تصنيفه باعتباره مشكلة.


ولا يعني ذلك تمجيد الاستراتيجية أو التمسك بها مهما كانت كلفتها. بل يعني فهم البنية بما يكفي لمعرفة ما إذا كانت لا تزال تخدم الحياة التي تعيشها الآن.

 


عندما يصبح التغيير نتيجة طبيعية للفهم


غالبًا ما تواصل الأنماط القديمة أداء وظيفتها حتى بعد أن تصبح كلفة تشغيلها مرتفعة للغاية.


قد يظل دافعك للعمل يحقق النتائج، لكنك لم تعد قادرًا على الراحة من دون الشعور بالذنب. وقد يواصل استقلالك حمايتك من خيبة الأمل، لكنه يمنعك أيضًا من أن يراك الأشخاص الذين يحبونك على حقيقتك. وقد يظل الانغلاق العاطفي يحميك من الشعور بالارتباك، لكنه يحرمك من الإحساس بأشياء تريد فعلًا أن تشعر بها.


ويشير فيسيلي إلى أن عدم الرضا قد يكون معلومة مفيدة، ولا يعني بالضرورة أن شيئًا ما قد حدث على نحو خاطئ. فأحيانًا يكون مجرد الشرخ الأول الذي يتيح لك رؤية كيفية عمل البنية.


ومن هنا، قد تقرر أن المنزل يحتاج إلى تجديد شامل، أو أن الأساس يحتاج إلى تدعيم، أو أن الجدار الغريب في منتصف الغرفة يحمل جزءًا من المبنى، فتقرر تركه في مكانه.


المهم هو أن نبدأ في فهم البنى التي نعيش داخلها.


فالهدف ليس هدم كل ما أوصلنا إلى ما نحن عليه، بل امتلاك قدر كافٍ من الوعي يتيح لنا أن نشارك في تحديد ما نحتفظ به، وما نغيره، وما نبنيه بعد ذلك.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/inner-architecture/202609/before-you-tear-down-the-wall-ask-why-its-there